د. أسعد الصالح: البوكمال.. عندما يسكت الإعلام عن الإجرام


د. أسعد الصالح: كلنا شركاء

في سنوات الحرب السورية، أثبت الإعلام بختلف توجهاته وداعميه ونشطائه قوته وبأشكال مختلفة–سواءً بنقل المجازر أو الانتهاكات أوحتى الأكاذيب والشائعات ورسائل الكراهية والطائفية والتخوين. توجيه الرأي العام ولفت انتباه العالم إلى مجازر أو أعمال تجويع عن طريق حملات إعلامية منظمة أثبتت جدواها في الضغط على المجرمين للتوقف (ولو قليلاً) عن الإجرام أو على المتحاربين للقبول ولو بهدنة جزئية وعلى المُحَاصِرين ليسمحوا بدخول المساعدات.  الإعلام المتداول سورياً يتحدث الآن عن سحب الجنسية السورية مصحوباً بقرار عن بطاقات شخصية جديدة. رغم أن هذا الخبر كاذب ويستطيع كل شخص مستقل أن يكتشف كذبه من خلال دراسة سند الخبر، يبقى الخبر حاضراً بقوة لأن وراءه قوة إعلامية–إلى أن يخمد كما خمدت إشاعات قبله.

لإن الخطابات المقنَّعة بالدين لها دور في كسب تعاطف المواطن ذي الفهم المحدود بأبعاد الدين وطرق استغلاله، فلقد جعل الإعلام الثوري مدينة البوكمال في سنوات الثورة ذات لقب جديد: مدينة الله أكبر. هذا الوصف—رغم الاستعارة الأدبية الكامنة فيه–لم يكن نزعة أدبية وليس لتكبير الله. بل أظنه كان كما فعل عدنان العرعور في مزايدته التي أذاعها يوماً وقال فيها “هو زنديق الذي يأبى أن تكتب كلمة الله أكبر” ويقصد على “علم الثورة.” كان لقب المدينة هو لتكبير شأن المدينة الحدودية مع العراق ثورياً والتي بوقوف بعض (وليس بالطبع كل) مواطنيها ضد بشار الأسد صارت تنال الاهتمام الإعلامي أكثر مما مضى في تاريخ سورية الإعلامي كله. الملاحظ أنه في عهد الأسد الكبير والصغير كان الإعلام السوري متمركزاً حول الحواضر السورية الرئيسية ولم تكن البوكمال أو حتى درعا تنال من الاهتمام ما تناله دمشق أو اللاذقية أو حلب، رغم أن هناك ربما أسباب موضوعية تجعل من مدينة عريقة كحلب ذات حضور أقوى من مدينة صغيرة جداً مثل البوكمال. مع ذلك وقبل الثورة لم يكن المواطن السوري يسمع عن أديب الدايخ الحلبي صاحب الحنجرة النادرة والأداء الراقي بينما صار علي الديك كأنه العندليب الأسمر في سورية (ولست شخصياً ضده لأنه على الأقل لا يحمل سلاحاً يقتل به الناس). وكما اختفى عدنان العرعور إعلامياً، قل الاهتمام بمدينة الله أكبر، وبقي الإعلام منذ سنين يكشف لنا عن أدواره التي يلعبها ذات اليمين وذات الشمال.

أكتب هذا الكلام في سياق مأساوي، وهو أنه بتاريخ 15 آذار 2017 تعرضت مدينة البوكمال لغارات أدت إلى مجازر بعشرات القتلى. الأخبار القادمة من البوكمال تؤكد المجزرة. الجزيرة تقول إن العدد ثلاثون ضحية. روسيا اليوم تعترف أن المدنين هم القتلى وتقول إن العدد أكثر من ثلاثين، مع ترجيحها لكون التحالف وراء الضربات. هناك أخبار تقول إن التحالف نفى تورطه وأخبار تجعل العدد ما يقارب ستين قتيلاً. رغم عدم التأكد من الرقم إلى الآن، لكن انتشار هذه الأرقام دون اهتمام إعلامي (ثوري بشكل خاص كما حدث في مجازر مشابهة في حلب أو الغوطة) يوحي بأن المدينة التي اهتم بها ما يسمى الإعلام الثوري وجعلها مدينة الله أكبر لم يعد لها دور تؤديه إعلامياً. تخلى عنها هذا الإعلام في توجيه الرأي العام إلى مآسيها من جراء هذا القصف الغادر. طبعاً تجويع دير الزور وحصارها أيضاً نادراً ما ينال التغطية الإعلامية القوية، وكأن محافظة دير الزور ومدنها وقراها هي على هامش الدم السوري. كأن هناك فعلاً دماءً سورية أكثر استحقاقاً للانتباه وتثير النخوة أكثر. لكن هذه المرة انتخت وكالة سانا للأنباء وكتبت: “ضربات قوات هذا “التحالف” طالت بالأمس المدنيين في مدينة البوكمال حيث استشهد جراءها أكثر من 31 شخصا معظمهم من الأطفال والنساء إضافة إلى عدد من الجرحى حالة بعضهم حرجة حيث أدى الدمار الكبير الذي أحدثه الاعتداء إلى سقوط المباني السكنية فوق رؤوس قاطنيها إذ ما زال يوجد عدد من المفقودين تحت الأنقاض.” حتى داعش نشرت تقريراً مصوراً (عن طريق وكالة أعماق) ركزت فيه على صور الأطفال القتلى والأنقاض وصور الجرحى وتبدو رسالة داعش واضحة ان المستهدفين هم المدنيون.

البوكمال مدينة صغيرة ولا أكتب هنا طلباً للتعاطف ولكن اكتب اعترافاً ان الحملات الإعلامية التي كانت موجهة ضد مجازر النظام يبدو أنها تتوقف إذا كانت المجازر مرتكبة من قبل قوات التحالف. السياسيون المعارضون عليهم أن يبينوا للشعب من خلال اتصالاتهم بقوات التحالف سبب استهداف المدنيين في هذه المدينة. هناك اشاعات أن الطيران العراقي هو المتسبب، لكن الصوت الرسمي غائب ولا يمكن التثبت من شيء. بدون صوت إعلامي يطالب بالانتباه لهذه الجريمة ستضيع الدماء هدراً. لذا تبقى المطالبة بتوضيح حيثيات هذه الجريمة وكيفية الحيلولة دون وقوعها مرة أخرى مطلباً إنسانياً أكثر منه موقفاً إعلامياً أو تحركاً سياسياً. أتمنى لكافة مدن سورية وقراها، تحت داعش أو تحت المعارضة أو تحت الدولة السورية الأمن والسلامة من حروب لا ناقة للشعب السوري فيها ولا جمل. الحرب التي تم إشعالها في سورية ساهم الإعلام الثوري وإعلام النظام في تأجيجها لأن كل طرف يدافع عن جماعته وتم التكتم على الإجرام من قبل عناصر النظام وعناصر المعارضة وعناصر الجماعات الإسلامية. الآن صار عندنا كما يبدو في مجرزة البوكمال (يوفومخلوقات فضائية) لا نعرفها تقصف وتسكت! لكن على الأقل بستطيع الإعلام أن يقول كلمة.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org