شبح الماسونية: هل بنوا بغداد والمسجد النبوي؟


كلنا شركاء: أحمد ناجي- المدن

(*) تتفاخر الحسابات الإسرائيلية في الشبكات الاجتماعية العاملة باللغة العربية، بنشر تغريدات وكتابات وفيديوهات لمواطنين من مختلف الدول العربية يتباهون “بإعلان تأييدهم” للاحتلال الإسرائيلي، أو حبهم في “جيش الدفاع”. أرى في إعادة نشر الصفحات العربية الإسرائيلية لمثل هذه “التويتات”، خصوصاً عند الأزمات السياسية، حالة بائسة من استدرار الشفقة، ولا أعرف حساباً رسمياً لدولة أو جهة حكومية أخرى يقوم بهذا “المحن” سوى الحسابات الإسرائيلية. لكن هذه الرسائل التي تأتي مُدعمة بالفيديو والصور أحياناً، تكشف أنه حتى مع الحصار الإعلامي العربي والدعاية السلبية والحروب والدماء العربية التي تسيل على يديهم، يتسلل المتلقي العربي ليقع في شباك الحب والغزل مع أفيخاي أدرعي في “تويتر”.

لكن الشيطان الحقيقي الذي أبداً لم يلق أي دعم أو تأييد عربي طوال أكثر من خمسين عاماً، واستحق لعنات كل التيارات السياسية العربية وكل الطبقات بل وهاجمته كل الأصوات الإعلامية العربية والمصرية من يسري فودة حتى توفيق عكاشة، هو الماسونية.

هذا الشيطان الخفي، أبديّ الشر، والذي يعلق عليه الجميع في المنطقة كل هزائمه. لم أستطع طوال عمري القصير أن أعثر على كلمة طيبة، أو موضوعية على الأقل عن الماسونية، لكاتب عربي، منذ الستينات وحتى الآن، على الرغم من أن الجمعيات الماسونية كانت ناشطة وتعمل في أنحاء الجمهورية المصرية حتى صدور قرار وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية يوم 16 أبريل 1964 بحل جميع المحافل الماسونية والتحفظ على أموالها ومقراتها. وبحسب السجلات الرسمية المعلنة، تعليقاً على القرار، فقد كان عدد الجمعيات الماسونية الرئيسة، خمس مجموعات أبرزها محفل خوفو، جمعية الشرق الأكبر المصري، والجمعية الخيرية الماسونية بالمنصورة. وتحت جناح كل جمعية، عشرات المحافل المنتشرة في طول البلاد وعرضها، أبرزها محافل القومية، التحرير، الزيتون، إسماعيل، هيرميس، إيزيس. ويمكن أن نلاحظ مزيج الأسماء بين العهد الملكي وشعارات العهد الجمهوري والفرعوني بالطبع.

لم يكن موقف النخبة المصرية بمثل هذا التشدد والعنف من الماسونية قبل الستينات، فقد كانت الماسونية جمعية قانونية تقوم بعشرات الأنشطة الخيرية والثقافية والتعليمية، وتضم في عضويتها نجوم المجتمع في الفن والأدب الذين يتفاخرون بعضويتها والكتابة في منشوراتها. لكن كل هذا التاريخ اختفى الآن وغمره النسيان.

كنت مقيماً في مدينة “بيرويت” الألمانية العام 2011، حينما صادفت أثناء تجوالي مبنى قديماً وسط حديقة لطيفة، وعلي لافتة كتب فيها “المحفل الماسوني”. كان الباب مفتوحاً فدخلت متوقعاً كل الثعابين والخناجر والكهنة والسحر الأسود الماسوني الأكبر، لكني وجدت مكاناً أشبه بنادٍ للعجائز، يجلسون في الشمس، مرتدين معاطف من الصوف. جلستُ وشربتُ قهوتي مراقباً الجميع من حولي، متوقعاً أن ينكشف لي السر الماسوني الأكبر، لكن شيئاً لم يحدث. وحينما هممت بالانصراف، سألتُ النادل الذي كان عجوزاً أيضاً إذا كان هذا المكان محفلاً ماسونياً حقاً، فهزّ رأسه مجيباً بنعم، ودار حديث قصير عرض خلاله عدداً من منشورات المحفل التي تغطي أنشطته الخيرية والاجتماعية، لكن معظمها كان بالألمانية وبأسعار مبالغ فيها.

سألته بدافع الفضول: ماذا إن أردتُ الانضمام إلى الماسونية؟ حينها سألني عن جنسيتي وحينما أخبرته أني من مصر، تهللت أساريره، وقال بثقة إنه يمكنني التواصل مع محفل “ممفيس” في القاهرة. اندهشت من إجابته فلم أعرف أن هناك محفلاً ماسونياً في مصر.

عدت إلى غرفتي وأجريت بحثاً قصيراً، حتى وصلت لقرار 64 القاضي بحل المحافل الماسونية ومنعها. وفي اليوم التالي، عدت لإخباره بأنه لا محافل ماسونية في القاهرة، وأن هذا الأمر ممنوع منذ زمن. فأبدى اندهاشه، ثم ببساطة قال لي: “يمكنك إذن أن تبدأ واحداً”… كان هذا في العام 2012، عام انفجار التنظيمات والأحزاب والانتخابات. وفي وسط حماسة التنظيمات التي تطغى على الجو، كنت كثيراً ما أطرح الفكرة على أصدقائي بقدر من الهزل والجد: فلدينا حزب نازي مصري تحت التأسيس، وآخرون يؤسسون حزب التحرير الإسلامي، فلماذا لا نحيي التنظيم الماسوني؟ لكني لم أكن أملك إجابة واضحة حول ماهية الماسونية، ومع الوقت فقدتُ شغفي بأشكال التنظيم أو العمل الجماعي، ناهيك عن الرغبة في إحياء أى شيء في بلد راقد في رمال الماضي.

لكني، منذ تلك الفترة، بدأت أهتمّ بجمع وقراءة كل ما له علاقة بالماسونية، بشرط واحد فقط، أن تكون نصوصاً أو كتُباً كتبها ماسونيون عن الماسونية. فالكتابات الناقدة للحركة كثيرة، لكن الغائب دائماً هو صوتهم.

يقول جرجي زيدان في كتابه “تاريخ الماسونية العام” أن كتابه هذا هو أول مصنف عربي يعرض للماسونية وتاريخها. يقدم زيدان نفسه في المقدمة كماسوني فخور بانتمائه. معظم المصادر تُرجع تاريخ نشر الكتاب للعام 1889 حينما طبع في مطابع دار المحروسة.

“بسم الله فاتحة كل عمل”.. يبدأ زيدان كتابه الماسوني بتلك العبارة. هو جرجي زيدان، المسيحي الذي أعاد اكتشاف التاريخ الاسلامي، ومؤسس الرواية التاريخية العربية، واللغوي المتمكن الذي ألّف كتباً عديدة في تاريخ اللغة العربية وفلسفتها، وكذلك الماسوني الذي يبدأ كتابه بالبسملة.

يشرح زيدان في مقدمته أن ما دعاه إلى تأليف الكتاب، هو الجدل المثار حول الماسونية ومهاجمة الكثيرين لها، والسبب هو سرية اجتماعاتهم وطقوسهم، حيث يرى المهاجمون أن هذه السرية دليل على إخفائهم لحقيقتهم، وأن المبادئ التى يعلنون انحيازهم لها كالتسامح والأخوة والتقدم وسعادة الإنسانية.. ليست سوى قناع لأهداف سرية لا يفصحون عنها.

يرد زيدان على هذه الاتهامات قائلاً: “والظاهر لديَّ أن هذه الجمعية لم تؤسس على شعائر يجب أن تبقى محجوبة على الأبد، على أن ما لم يزل محجوباً منها ليس بالأمر المهم لدى الجمهور، وإنما هي إشارات ورموز جُعلت واسطة يتعارف بها أبناء تلك العشيرة، فيتميزون بها من سواهم (…) ولكن سيأتي زمن ولا يبقى فيه بين أبناء تلك الجمعية وسائر الناس حجاب أو شبه حجاب، ومن يعشْ يَرَ”…

للآسف من عاش لم يرهم، لا من خلف حجاب، ولا من دون حجاب. ولم تتحقق أمنية زيدان حتى الآن، لكنه ترك لنا وثيقة نادرة وفريدة من نوعها، حيث حاول زيدان للمرة الأولى إقامة روابط تاريخية بين الماسونية وبين مسار تاريخ وتطور الحضارة العربية، وهو الأمر الذي لا يمكن أن نجده في أي مرجع آخر عن الماسونية.

مثل معظم مراجع التاريخ الماسوني، يقسم زيدان تاريخ الماسونية إلى مرحلتين أساسيتين. الأولى هي الماسونية العملية، والثانية هى الماسونية الرمزية. يقول زيدان أن بعض المصادر يعيد بداية الماسونية إلى سيدنا آدم، ويضيف في مبالغة ماسونية معتادة: “بل يبالغ البعض أن الله سبحانه وتعالى أسس الماسونية في جنة عدن وأن جنة عدن كانت هي أول محفل ماسوني”. لكن بموضوعية الباحث التاريخي، يرفض زيدان هذه الروايات، ويرجع أصول الماسونية إلى الكهنة في مصر القديمة، مشيراً إلى وثائق من أوراق البردى تتحدث عن جمعية “إيزيس السرية”.

يكمل زيدان رواية التاريخ المتشابك للماسونية، قبل المسيح وبعده، وكلها روايات متناثرة في مراجع التاريخ الماسوني الانكليزية والفرنسية. ويحاول زيدان الاعتماد على المصادر الموثقة التي تشير إلى تاريخ الجماعة، وأقدمها لائحة رومية من العام 715 قبل الميلاد، وهي أولى الشرائع الماسونية لمدارس البنّائين التي أسسها نوما بومبيليوس في رومية، وهي مندرجة في اللوح الثامن من ألواح الشرائع الرومانية التي ظهرت في العام 451 قبل الميلاد ويقال لها “لائحة رومية”. لكن الجديد الذي يقدمه زيدان في كتابه، هو أن الماسونيين (البنّائين الأحرار) ساهموا في الدولة الاسلامية منذ عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك العام 88 للهجرة، لبناء المساجد في بلاد الشام ودمشق.

يستند زيدان إلى رواية ابن خلدون، عن عمليات توسيع المسجد النبوي في عهد إمارة عمر بن عبد العزيز، حيث يقول ابن خلدون، أن ابن عبد الملك بعث لملك الروم في القسطنطينية بأنه سيشرع في بناء المسجد النبوي، فبعث إليه الأخير بمئة ألف مثقال من الذهب، ومئة من المهندسين والبنّائين. ويرى زيدان أن البنّائين الأحرار (الماسونيين) أدوا دوراً مهماً في بناء العاصمة الرومانية القسطنطينية، وبالتالي كانوا هم من بعث بهم ملك الروم إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز لبناء المسجد النبوي وتوسيعه.

لكن دورهم لم يتوقف عند هذا الحد، ففي تفصيله لتاريخ بناء بغداد يروي ابن الأثير: “كانت الأسواق في المدينة (بغداد)، فجاء رسول من ملك الروم، فأمر الربيع فطاف به في المدينة، فقال كيف رأيتها؟ قال: رأيت بناءً حسناً، إلا أني رأيت أعداءك معك، وهم السوقة. فأمر بإخراجهم إلى ناحية الكوخ، وقيل إنما أخرجهم لأن العرباء يطرقونها ويبيتون فيها وربما كان فيهم الجاسوس”. ثم يكمل ابن الأثير تفاصيل إعادة تخطيط المدينة بناءاً على نصيحة ملك الروم فيقول: “وكان الأستاذ من البنّائين يعمل يومه بقيراط فضة والروزكاري بحبتين”…

هنا يتدخل صاحب دار الهلال ومؤلف كتاب “تاريخ آداب اللغة العربية” في أربعة أجزاء ليعلق قائلاً: “فما معنى قوله –ابن الأثير- (الروزكاري)؟ لقد قلبت كثيراً من القواميس العربية فلم أعثر على هذه الكلمة، ولم أفهم معناها إلا ما يؤخذ من القرينة، فهي إذن كلمة أعجمية، وقد وجدت في المعجمات الفارسية كلمة (روزكار) ومعناها (الروزكاري) الدنيا أو الزمان أو العالم أو البخت. فإذا كانت نسبة إلى هذه، يكون معناها (العالمي) أو (الزماني) وهو لقب يقصد به (عامة الناس غير الكهنة)، ولا يزال هذا استعماله إلى هذا العهد. فاستعمال هذه الكلمة في معرض التكلم عن البنّائين يستفاد منها عامة الناس الذين هم غير الإخوة البنائين. والماسون إلى هذا اليوم يدعون من هو ليس من جمعيتهم بالخارجي أو الأجنبي، وهو يشبه التعبير المتقدم ذكره”.

يستنتج صاحب موسوعة “تاريخ التمدن الإسلامي، خمسة أجزاء”، مما سبق، بأن الماسونيين هم بنوا من مدينة بغداد، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى الأندلس تلبية للدعوة التي أطلقها عبد الرحمن الداخل لكل البنّائين الأحرار للمجيء إلى الأندلس.

تأويلات زيدان مفرطة بعض الشيء بالطبع، لكنها تمثل سعي الماسونيين العرب، في بدايات القرن الماضي، إلى راوية تاريخهم الخاص، ولصناعة رواية ماسونية شرقية تكمل مسار الرواية الغربية. وهي رواية تبدو هشة إذا كان الحديث عن التاريخ القديم، لكنها تصير أكثر تماسكاً حينما نتقدم في التاريخ مع زيدان في المقال المقبل.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org