د. يحيى العريضي: بعض التاريخ بمناسبة 6 تشرين.. أسد إيران نصرالله بن غوريون


د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

يهز كيان المرء إلى الأعماق اهتزاز قناعة رسّخها في خلده لسنين. قبل اشتراكه المباشر بقتل السوريين؛ كان إذا ذُكِرَ حزب الله بسوء؛ فإنك كوطني سوري مؤمن بحق أمته بالعيش الكريم المقاوم للظلم والاحتلال؛ سيهتز كيانك وترد الإساءة مدافعاً عن ذلك الحزب الذي قدّم نفسه للعرب والمسلمين والعالم كـ “مقاوم لاسرائيل”، وكـ “محررللأرض اللبنانية”.

فجأة تجد أن تلك القناعة تترنح، عندما ترى أسلحة ذلك الحزب تتوجه إلى صدور السوريين. تُصدَم وتحتار وتبدأ بالبحث عن تفسير لما يحصل. يسوق لك البعض حججاً لا يقدمها جبان، ولا يقبلها نذل. تغوص في اعماقك باحثاً عن تفسير أوعزاء لاعتداء وقع على قناعتك التي تهتكت. تحاول استخدام كل أدوات البحث والمعرفة من ربط ومقارنة واستنتاج واستنباط واستقراء كي تفسّر ما يحدث، فلا تُفلح؛ وفجأة يأتيك التفسير وحل اللغز. من أين؟ من العدو! وذلك العدو ليس إلا “بنغوريون” مؤسس الكيان الصهيوني؛ الذي يقول عبارة ملفتة في مذكراته خلال قيام الكيان. تقول العبارة بالانكليزية: The danger on Israel comes from the NORTH”” /الخطر على إسرائيل يأتي من الشمال/. عبارة بنغوريون هذه تزيح الغباش وعمى الألوان والحيرة والوهم الذي عشناه لعقود وتوّجَه حزب الله بصعقنا بهذه الطريقة عندما وجّه سلاحه إلى صدور أهل سوريا.

“الخطر على اسرائيل يأتي من الشمال”عبارة تعكس الرؤية الإستراتيجية لمؤسس الكيان . بالنسبة له -وهذا واقع – الشرق فيه كيان وُجد اساساً كمنطقة عازلة بالنسبة للكيان الصهيوني ؛ والغرب بحر يسكنه الاسطول السادس الأمريكي؛ والجنوب حاجز طبيعي يتمثل بصحراء سينا المصرية. أما الشمال ففيه سوريا ومرتفعات جولانها التي كانت تقض مضاجع وتهزم أي قوة إسرائيلية، حتى بإهالة الحجارة على مستعمراتها؛ وفيه لبنان، الخاصرة السورية التي يُظبط إيقاعها حسب الإرادة السورية، شاءت أم أبت؛ هكذا التاريخ.

عام سبعة وستين زال هذا الخطر عن الكيان بشكل استراتيجي. اصبحت تلك المرتفعات المخيفة والمُهدٍّدة للكيان بيد العدو ذاته؛ ويعود الفضل بذلك إلى الشخص الذي زَرَعه ودَرَّجه الكيان ليكون بدايةً وزير دفاع لسوريا في ما سُمَّيَ حرب 1967؛ حين أعلن سقوط الجولان دون أي معركة أو حرب. لا بد وان الرجل قد كُلٍّفَ رسمياً بالمهمة التي كانت تقلق بنغوريون؛ ولابد وان المهمة توسعت قليلاً عندما مَنَع أي مساعدة للفلسطينيين خلال ايلول الأسود 1970؛ ولا بد وان المكافأة كانت استلام سوريا بالمطلق بعد ذلك بشهرين – 16 تشرين 1970- لتاتي بعد ذلك حرب تشرين (اكتوبر ) 1973 التي اعتبرها ذلك الشخص حرب تحرير متهماً مصر بأنها أرادتها حرب تحريك. وحرب تشرين لم تكن حقيقة الأمر بالنسبة لسوريا لا “حرب تحرير” لأن سوريا خسرت أرضاً جديدة وأكثر من عشرين قرية ، وما كانت حتى “حرب تحريك” ؛ بل كانت عملياً حرب تعميد لحافظ الأسد. الذي أسبغ على نفسه لقب ” بطل التشرينين” وصار بإمكانه رسمياً أن يوقع هدنة مع اسرائيل؛ وتم ذلك عام 1974. ومنذ ذلك التاريخ لم تُطلق رصاصة واحدة تجاه الكيان الذي يحتل الأرض السورية. أي أن الجزء الأهم من الخَطٍر الشمالي أضحى آمناً بالمطلق؛ وهذا ما اراده بنغوريون .

ولكن الأمور لم تقف عند هذا الحد ؛ فالشمال ليس آمناً تماماً، حيث أن الفلسطينيين الذين خرجوا من الأردن، أتوا إلى لبنان – حسب اتفاقية القاهرة 1970- ليجدوا بيئة عربية حاضنة تتوافق مع طموحاتهم في استرداد حقهم المغتَصَب، تمثلت بالقوى القومية واليسارية؛ فكان ذلك التحالف الطيّب. أما بالنسبة إلى اسرائيل فكانت عودة الخطر القادم من الشمال؛ وكان لا بد من العودة إلى الكفيل المكَلَّف بتبديد الخطر إياه بعد إنجازه على الجبهة السورية. وهنا الكل يذكر الدخول السوري إلى لبنان 1975 ؛ ويذكر مذابح تل الزعتر. (بالمناسبة الحديث عن الانعزاليين أو “المسيحييين” وتنغيمهم مع اسرائيل ليس إلا تسويقا صهيونيا لإعطاء عميلهم اليد الاعلى في لبنان وتبرير أي مسلك له؛ فمسيحيوا لبنان مدرسة في الوطنية والمواطنة). معروف حتما ما كان يجري بين حركة امل والفلسطينيين؛ وأن الأغلى على قلب رجل اسرائييل في دمشق كان رئيس تلك الحركة؛ وأن الأكره على قلبه لم يكن إلا ياسر عرفات؛ ولم يعد خفياً من قَتَل كمال جنبلاط وكثيرين من الحركة الوطنية الداعمة للحق الفلسطيني في المقاومة…

في نهاية السبعينيات وأول الثمانينيات كان الانشغال والإرباك بالوضع الداخلي السوري، وباتفاقية كامب ديفد التي تلوح في الافق؛ وحافظ أسد لا يستطيع توقيع اتفاق مع اسرائيل يستعيد بموجبه الجولان مثل مصر التي تستعيد سيناء. فلمن سيعيد الجولان، ووجوده في السلطة أساساً مشروط ببقاء شمال الكيان بلا خطر. وقتها كان على اسرائيل أن تقلّع شوكها بيدها؛ فغزت لبنان 1978، ثم وصلت الى بيروت عام 1982 .

عام 1982 كانت ولادة حزب الله. عبر هذا الحزب وبالتنسيق معه وبرعاية امرو-إسرائيلية، وضع الأسد يده على لبنان بالمطلق. كثيرة هي المرات التي أراد حزب الله أن (يفتح على حسابه) بعد ذلك ؛ وكثيرة هي المرات التي كانت تتجاذبه التناقضات بين القادم الجديد إلى ساحة المنطقة { حكم ملالي إيران } بداية الثمانينيات من جانب؛ والوكيل الحصري للمصالح الاسرائلية في لبنان رجلهم في دمشق .لا بد وأن سعد حداد وأنطوان لحد اللذان استخدمتهما اسرائيل في الشريط الحدودي الذي صنعته في الجنوب اللبناني-بين 1978 و 1982 – ىقد أغاض متعهد المشروع الإسرائيلي في دمشق؛ فلديه الوكالة الحصرية من اسرائيل في ردع الخطر القادم من الشمال؛ وهناك الآن من يزاحمه؛ فوجد ان الجهة الوحيدة القادرة على استعادة بعض مصداقيته لدى اسرائيل هي بالتحالف المطلق مع حزب الله، حيث استخدمه ليعزز اوراق اعتماده لدى اسرائيل؛ و كان لا بد لحزب الله من تطوير بعض المصداقية؛ فكانت الارهاصات مع اسرائيل؛ وكان ظابط الإيقاع لذلك ليس إلا ذاك القابع في دمشق صاحب التوكيل الاساسي. لقد كانت الحجة كبيرة: اسرائيل تحتل جنوب لبنان . بقي الأمر كذلك إلى أن خرجت اسرائيل من الجنوب بمحض إرادتها ، والوقائع والوثائق تثبت ذلك. استمرت بعض ارهاصات إثبات الوجود من قبل حزب الله في الأعوام اللاحقة لإثبات المصداقية الخديعة. وعندما كانت تزيد عن حدها تستعرض اسرائيل وحشيتها ؛ وتعيد لبنان سنوات إلى الوراء بشرا وحجرا.

خلال العشر سنوات الأخيرة لم يرتمٍ حزب الله فقط في حضن ملالي إيران بالمطلق بل ارتمى نظام العمالة في دمشق باحضانهم أيضاً. حضر اللاعب الإيراني بقوة على ساحة الشرق الأوسط؛ وكان لا بد له من يافطة للقدس ولا بد من أن يزاود على العرب اصحاب القضية؛ وكل ذلك كان يخفي تحته علاقة غير مقدسة لايران مع الكيان الصهيوني؛ أما حزب الله فيستمر بالقيام بالمهمة التي كان عميل دمشق قد كُلّف بها تاريخياً؛ و ايران من جانبها تستمر بالتمدد منسققة مع الكيان الصهيوني بالمنطقة وبرعاية أمريكية وبنذالة المافيوية الروسية.وهذا ما يكمن وراء استمرار النزف والدمار في سوريا الآن.

بعد كل هذا؛ هل يمكن لحزب الله ألا يستشرس في الدفاع عن شريكه؟! وهل ممكن لمن خدع العالم بأنه يقاوم إسرائيل وهو يعمل أجيرا لديها، ألاّ يأتي لنجدة رب عمله؟! وإذا كان الأجير الأصغر لدى اسرائيل موجودا وجاهزاً لتنفيذ الاعمال القذرة، فهل تحتاج إسرائيل أن تتدخل للدفاع عن عميلها الأساسي في دمشق وإنقاذه؟! أليس واضحاّ الآن لماذا يتدخل حزب الشيطان في سوريا ؟

السيدة زينب والقرى اللبنانية داخل سوريا في الحفظ والصون في قلوب أهل سوريا منذ قرون ؛ وما فكّر أهل سوريا يوماً بهذه المسألة . إنها حجج الكذاب الاجير. إنه أداء الواجب من قبل حزب الشيطان تجاه من أشار إلى “الخطر القادم من الشمال” .

هذا الانسان السوري الذي حُرم من خوض أي حرب حقيقية ليستعيد حقه المغتَصَب، سيصبح حراً؛ وسيعود ليشكّل الخطر على الشمال ويستعيد حقه المغتصب، بعد أن يزيح الإستبداد، و يمزق عقود العمالة وموقعيها .






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org