أهالي عقيربات ورحلة النزوح في وادي الموت


أحمد عبيد: كلنا شركاء

 لم يبّقَ أمام أهالي ناحية عقيربات الواقعة في ريف حماة الشرقي، والتي تضم أكثر من 83 قريةً ومزرعة يعيش فيها قرابة 70 ألفَ مدنيٍّ، سوى النزوح بعيداً عن منازلهم، بعد إقحامهم في دائرة الصراع القائم بين النظام والقوات الرديفة له من جهة، وتنظيم “داعش” الذي يسيطر على المنطقة منذُ نحو4 سنواتٍ من جهةٍ أخرى.

خرجَ الآلاف من أهالي ناحية عقيربات على شكلِ دفعاتٍ متفرقة باتجاهِ “وادي العذيب” ليعيشوا في طبيعته الصحراوية قرابةَ 45 يوماً، تحت رحمةِ مدفعيةِ قوات النظام.

أحد أهالي عقيربات ويدعى أبو علاء (50 عاماً) يروي لـ “كلنا شركاء”: في بداية الحملة العسكرية التي شنتها قوات النظام السوري  على ناحيةِ عقيربات في مطلع شهرِ آب/أغسطس من العام الجاري،  بهدفِ طردِ تنظيم داعش الذي يسيطر عليها، رفضنا الخروج من منازلنا لنبقى أمام مواشينا وأرزاقنا، حيث تعملُ غالبيتنا القصوى في الرعي، لكن ومع ارتفاع وتيرة  التصعيد العسكري والقصف الجوي عليها، وفي ظل الحصار الخانق الذي أُطبقَ على المنطقة، أصبحنا نسعى لإيجادِ طريقٍ آمنٍ للخروج بعيداً عن هذا الصراع الدائر، لكن قوات النظام كانت قد أغلقت كافةَ المعابرِ المؤديةِ إلى الناحية آنذاك. ومع ذلك حاولنا الخروج منه، في أكثرِ من محاولةٍ نُقدِم في كلٍ منها عدداً من القتلى والجرحى برصاص عناصر النظام المجاورة”.

ويتابعُ أبو علاء “مع مرور فترةٍ زمنيةٍ على هذا الصراع أصبحنا نفتقدُ جميع مقومات الحياة الأساسية من طعامٍ ودواءٍ، والأهم من ذلك افتقدنا الأمان لأطفالنا، فلم يبقَى أمامنا خياراً سوى التضحية بكل شيء للوصولِ إلى المكان الآمن القريب علينا، ألا وهو ريف إدلب الجنوبي، فسلكنا طريق “وادي العذيب” الذي حاصرتنا قوات النظام في طبيعته الصحراوية، شهراً ونصف الشهر، تعرضنا فيها لشتى أنواع العذاب، فقد نفذت مؤونتنا و تعرضنا لقصفٍ هستيري على مدار الساعة طوال تلك الأيام، ما أدى لسقوط عدة وفياتٍ منهم من المرضى الذين نفذت أدويتهم، ومنهم من لم يحتمل العطش الذي تعرضنا له، أما العدد الأكبر فكان قد سقط قتيل متأثراً بجراحه، التي أُصيبَ بها إثرَ القذائف المنهارة علينا، و بعدها سلكنا الطريق الواصلة إلى منطقة “الرهجان” الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام في الريفِ الشمالي الشرقي لمحافظة حماة، والتي أوقعتنا قوات النظام بكمين محكم أودى بحياةِ أكثرَ من 80 قتيلاً جُلهم من النساء والأطفال قبل وصولنا إليها ببضعة كيلو مترات، و ما إن وصلنا إليها حتى قامت المنظمات الإنسانية بنقلنا إلى مراكز الإيواء في ريفِ إدلب الشمالي”.

وجاء نزوح أهالي عقيربات بالتزامن مع توقف الدعم عن بعض المنظمات الإنسانية في الشمال السوري، فلم يلقوا المساعدة التي شهدها أهالي المناطق التي هُجّرت مؤخراً إلى محافظة إدلب، إضافةً للطريقة التي اتبعها الأهالي للنزوح على خلاف الاتفاقيات التي جرت في مناطق ريف دمشق وحمص وبعض أحياءِ محافظة حلب، مما خلّفَ أعباء على مراكز الإيواء التي فتحت أبوابها أمامهم.

مدير مركز “ساعد” للإيواء “فاتح عوض” قال في السياق “وصلت الدفعة الأولى من نازحي ناحية عقيربات إلى مخيم ساعد في معرة الإخوان في الثاني من شهر أيلول/ سبتمبر، وحتى اليوم نستقبل يومياً عدةَ عائلاتٍ، فلم يكن نزوح أهالي عقيربات كغيرهم من أهالي المناطق المشابهة التي تهجرت عبر اتفاقاتٍ جرت بين النظام السوري وفصائل المعارضة والتي تمت بشكلٍ منظمٍ وبطرقٍ آمنة، بينما كان نزوح أهالي عقيربات على شكلِ دفعاتٍ صغيرة لا تتجاوز 15 عائلةً، في طرقٍ تتعرض للقصف بشكلٍ مستمر، لكن الأوضاع الإنسانية التي وصلت إليها منطقتهم والقصف المُركّز والمستمر على المدنيين أجبرهم على سلكِ تلك الطرق ليقعوا بعذابٍ أشد في منطقة (وادي العذيب)، فاضطروا أيضاً للتشتتِ مرةً أخرى، و الخروجِ من ذلك الوادي بشكلِ فرديِ، أي عائلة أو عائلتين فقط، وعندما تمكنت العائلات العالقة في الوادي من العبورِ إلى ريف إدلب الجنوبي، قامت الهيئات الإغاثية بتأمينهم في حافلاتٍ لنقلهم إلى الريف الشمالي، لكن و قبل وصولهم إلينا قامت الطائرات الروسية باستهدافِ القافلة، ليتابع من نجا منها مسيره وحيداً إلى مخيمنا، حتى بلغ عدد نازحي عقيربات لدينا أكثر من (1460) نازحٍ”.

يتابعْ فاتح: “نعاني اليوم من الأعداد التي تتوافد إلينا، ففي المرات السابقة كنا نعتاد على استقبال اللاجئين لمدةٍ لا تتجاوز الشهرَ الواحد كونهُ مركزاً للإيواءِ المؤقت، حتى تأتي بعض المنظمات الإنسانية التي تكون قد أشادت بعض المخيمات وتنقل اللاجئون إليها ليستقروا بعض الشيء، كون خيامنا تنقسم إلى قسمين فقط، أحدهم للرجال والآخر للنساء، بينما باقي المخيمات تقدمُ خيمةً لكل عائلة، أما بالنسبة لنازحي ناحيةِ عقيربات فالوضع مختلف تماماً، فقد اقتصر عمل المنظمات الإنسانية على تقديم بعض المساعدات كمبالغ مالية بسيطة وسلالٍ غذائيةٍ وغيرها، باستثناءِ منظمةِ مرام التي أشادت مخيماً في منطقة  ميزناز واستقبلت عدداً كبيراً من النازحين، إضافةً للمصاعبِ التي نواجهها في التعاملِ مع الأهالي بسبب حالتهم النفسية المتردية والخوف الذي كانوا يعيشونه في ظل حكم داعش، والأفكار التي اكتسبوها من التنظيم، ورافقتهم إلى الشمال السوري المحرر، عِوضاً عما حل بهم في رحلة النزوح”.

ولم تنته معاناة أهالي عقيربات بوصولهم إلى ريف إدلب المحرر، ففقدانهم أفراداً من عائلاتهم في تلك الطريق المشؤومة، دون معرفةِ مصيرِ أي منهم زادت آلامهم ألماً، عوضاً عن الفقر الذي حل بهم إثرَ حصارهم ورقودهم حتى اليوم في مراكز الإيواء المؤقتة زاد من عنائهم عناء.

تقول (أم يمان) وهي امرأة أربعينية من الذين وصلوا إلى إدلب، “أثناء توجهنا إلى منطقة الرهجان، وبسبب القصف الذي تعرضنا له في منطقة وادي العذيب من قبلِ مدفعيةِ النظام وطائراته، افترقتُ وأفرادِ عائلتي في الليلة التي حاولنا العبور فيها، فتابع كل منا طريقهُ بمفرده، ووصل قسم إلى ريف إدلب الشمالي وانقطعت أخبار أكثر من 400 شخصاً بينهم زوجي واثنين من أبنائي، و حتى الآن لا نعلم ما هو مصيرهم، وعند وصولنا إلى هذه المراكز تفاجأتُ بحالها، فهي لا تمتلك أدنى مقومات الحياة المستقرة، حيث نقطنُ في خيامٍ للنساء وخيامٍ للرجال، تحوي كلٌ منها 70 شخصاً و أكثر، لا نجد مكاناً للاستحمام على الأقل، وقد نزحنا بملابسنا التي نرتديها فقط من حصارٍ دامَ عدةَ أشهر، ولا نملك المال للخروج و العيش بعيداً عن المخيمات، فباتت أسمى مطالبنا خيمةً تجمعُ أفرادَ العائلة تحتها، ومدارسَ لأطفالنا الذين منعهم تنظيم داعش من متابعةِ تعليمهم فورَ سيطرتهِ على منطقتنا منذ 4  سنوات”.

تختمُ أمُ يمان حديثها بالقول: “لم يكن بقاؤنا في منازلنا تحت حكمِ تنظيم داعش حباً به، بل كان رفضاً للنزوح والتشرد خارج قريتنا، ليس كما ظنَّ البعض ووجه لنا اتهاماتٍ بأننا من عناصرِ التنظيم”.

 






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org