د. عماد بوظو: قصة (محور المقاومة) مع المخدرات


د. عماد بوظو: الحرة

ممارستي لمهنة الطب خلال العقود الماضية أتاحت لي إمكانية المتابعة العيانية لأخطر الأمراض التي عانت منها سورية خلال هذه الفترة وهي إنتشار تعاطي المخدرات وما ترتّب عليها من آثار اجتماعية واقتصادية وصحية كارثيّة.

في نهاية السبعينيات ونتيجة للسيطرة العسكرية السورية على لبنان خلال الحرب الأهلية، تعاون زعماء وقادة ميليشيات لبنانيين مع ضباط سوريين لبناء شبكة واسعة لزراعة وصناعة وتجارة المخدرات بكل أصنافها، وقد قدّرت مجلة نيوزويك في بداية الثمانينيات دخل هؤلاء الضباط من عائدات تجارة المخدرات بـ 2 بليون دولار. وأصبح مطار دمشق بفضل هؤلاء الضباط محطّة دولية لهذه التجارة يأتي إليها الكوكائين الخام من أميركا الجنوبية والهيرويين من آسيا لتتم معالجته وإرساله لبقية العالم، وأحيانا كانت تستخدم الحقائب الديبلوماسيّة لتهريبه. أدّى ذلك إلى ارتفاع كبير وسريع في تعاطي المخدرات داخل سورية من الهيرويين للمسكنات من أشباه الأفيونات والمهدئات والمنومات بالإضافة للمنشطات مثل الكيبتاغون والأمفيتامين حتى الكوكائين. انتشرت هذه الأصناف لدى مختلف شرائح المجتمع السوري من أحزمة الفقر والعشوائيات المحيطة بالمدن حتّى أرقى الأحياء، وكان طريق الإدمان يبدأ ببضع حبوب من المسكنات والمهدئات أو سكائر الحشيش ثم تزداد الجرعة تدريجيا وتنتقل لأنواع أقوى لينتهي في كثير من الأحيان بتعاطي الهيرويين.

بعد استلام بشار الأسد السلطة عام 2000 تدهور الوضع الاقتصادي في سورية لدرجة كبيرة لأسباب عديدة أهمها استفحال الفساد، واضطر كثير من الشباب وحتى الأطفال للانضمام لسوق العمل برواتب ضئيلة مع محيط موبوء، وبشكل عام انسدّت آفاق المستقبل أمام فئة واسعة من الشباب السوريين وكانت المخدرات ملجأهم للهروب من هذا الواقع. وأصبحت مشكلة المخدرات في هذه الفترة كارثة وطنيّة لا يمكن إخفاؤها، ولا تمضي بضعة أيام من دون حدوث حالة وفاة نتيجة جرعة زائدة أو تناول أصناف رديئة من المخدرات. نتيجة لذلك افتتح في دمشق عام 2003 مركز لمعالجة حالات الإدمان، وكانت أعداد المدمنين وقتها تقدر بعشرات الآلاف بينما كان المركز يحتوي على 31 سريرا فقط، ولا يوجد فرصة أمام المدمن للبقاء فيه لأكثر من أسبوع واحد بأحسن الأحوال، وهذه المدة غير كافية للمعالجة. ودخلت المشافي الخاصة هذا المجال لأسباب تجارية من دون نتيجة تذكر، خلال مدّة عملي الطويلة لم أشاهد سوى حالتين فقط للشفاء من إدمان الهيرويين لكهلين في العقد الخامس من العمر. ولم يكن مسموحا التحدث علانية عن هذا الوضع المأساوي باعتباره مسيئا لسمعة البلد، وتعمّدت الإحصائيات الرسمية إخفاء هذا الواقع.

في الشهر الأول للثورة السورية أوائل 2011 تم إطلاق سراح كل المتهمين بقضايا المخدرات بمراسيم العفو التي شملت فقط المجرمين الجنائيين، مع خروج هؤلاء أصبح تعاطي المخدرات بكل أشكالها بما فيها الهيرويين يتم علنيا في الشوارع، لمعرفتهم أنه لن تتم مساءلتهم. ومن هؤلاء تم تجنيد بعض المخبرين لأجهزة الأمن، أي أنهم تمتّعوا فوق ذلك بالحماية. وفي ما بعد مع سيطرة ميليشيات الشبيحة على كامل البلد انتعشت زراعة المخدرات في بعض المناطق، وتم إنشاء معامل صغيرة خصوصا للمنشطات مثل الكيبتاغون، ووصلت درجة تعاطي المخدرات لمستوى قياسي جديد. وقال عضو مجلس الشعب السوري وليد درويش في اجتماع للمجلس في نهاية أيلول 2017 “إن المخدرات تنتشر وتباع علنا في مدارسنا”، وفعلا تم الإعلان قبل فترة عن وفاة طالبين في الصف العاشر في بلدة ملح جنوب السويداء نتيجة تناولهما حبوب الهلوسة.
يترتب على انتشار المخدرات مضاعفات كثيرة، منها تفشي الجرائم كالسرقة لتأمين ثمن المخدرات التي تبدأ بالأهل ثم الأقارب والمعارف لتنتهي بتشكيل العصابات والسطو على المنازل والمتاجر. وأصبحت هذه الجرائم يومية في كل أنحاء سورية، كما أضيف إليها في السنوات الأخيرة عمليات الاختطاف لطلب فدية أو تجارة الأعضاء في جرائم لم تعرفها سورية من قبل والمتهم الرئيسي فيها ميليشيات مرتبطة بالنظام. كما يؤدي الإدمان على المخدرات إلى انتشار الدعارة نتيجة تفكك الأسرة والحاجة للمال عند المدمنات أو أزواجهن وأقربائهن، كما يتدهور الوضع الصحّي بانتشار أمراض مرتبطة بالمخدرات والدعارة مثل الإيدز والتهابات الكبد والتهابات الأوردة والأنسجة عند تعاطي المخدرات بالحقن والأمراض الرئوية عند استنشاقها وغيرها من المضاعفات.

الوضع في لبنان مماثل للوضع في سورية

ويقول الخبراء إن لبنان قد تجاوز الخط الأحمر منذ زمن ولكن في لبنان مستوى المعيشة أعلى ونوعيّة المخدرات أفضل. كما أنه لا يوجد هذا التعتيم الإعلامي ولذلك هناك إحصائيات أفادت بأن 48% من طلاب الجامعات في لبنان قالوا إن بإمكانهم الحصول على المخدرات بسهولة وإن نسبة الإناث إلى مجموع المدمنين 20% وأن من هم في سن العشرين وأصغر يشكلون 25% من المدمنين، كما أن مزارع وتجارة المخدرات غير سريّة، مثلا في تسجيلات مصورة ظهر تاجر مخدرات لبناني معروف من بيت زعيتر بين وسط عدد من المسلحين في القلمون السوري يعلن فيها ولاءه لحزب الله ومشاركته معه عسكريا في حربه دعما للنظام السوري. وفي آذار 2017 قام بنجامين زند مراسل BBC” بزيارة لإحدى مزارع المخدرات في وادي البقاع اللبناني وشاهد الحجم الكبير للأسلحة التي يمتلكونها. وقال علي شمص مالك هذه المزرعة في هذه المقابلة: “حينما تصدّر أميركا وأوروبا الإرهاب لنا فنحن بدورنا سنصّدر لهم الحشيش”. والإرهاب الّذي يقصده علي شمص هو كل طرف يعادي “محور المقاومة” مختصرا بذلك وبطريقة بسيطة الذرائع التي على أساسها يبرّر حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني دورهم الواسع في تجارة المخدرات الدولية باعتبارها انتقاما وردا على العقوبات والحصار الاقتصادي المفروض من “قوى الاستكبار العالمي” وشكل من أشكال النضال ضدّهم!

رغم أن العراق حديث العهد مع مشاكل المخدرات التي بدأت بعد عام 2003، فقد قرعت حاليا أجراس الإنذار نتيجة انتشار المخدرات بسرعة قياسيّة واليوم تعتبر البصرة عاصمة المخدرات في العراق، وتنتشر فيها كل أنواعها لكن الأكثر تداولا ما يطلق عليه اسم الكريستال وهو من مشتقات الأمفيتامين. كما تتحدث تقارير عن أن مطار النجف الذي تتحكم فيه ميليشيات مرتبطة بإيران يعتبر طريقا لتهريب المخدرات من إيران إلى دول الخليج ومناطق أخرى، وفي العراق أيضا تلعب آفاق المستقبل المسدودة أمام قسم كبير من الشباب دورا رئيسيا في دفعهم لحضن المخدرات، كما قال بعض متابعي الوضع العراقي إن منع الكحول بعد سيطرة الأحزاب الإسلامية والتي توجّها البرلمان العراقي بقرار في 22 أكتوبر 2016 يحظر فيه استيراد وبيع وصنع المشروبات الكحولية قد ساعد على انتشار المخدرات وخاصة الهيرويين الذي يطلقون عليه اسمه الإيراني “الترياق”، والذي يرى بعضهم أنه لا يوجد نص ديني صريح على تحريمه بعكس الكحول!.

تزداد المخاوف حاليا من أن يسير العراق على خطا إيران التي تعتبر عاصمة المخدرات في العالم مع عدد المدمنين فيها والذي يفوق الخمسة ملايين والذي تتصدّر محور المقاومة حتى بتجارة وتعاطي المخدّرات.






للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org