العميد الركن أحمد رحال: انسحاب النصرة من إدلب والجيش الحر بمواجهة عفرين


العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء

شعار الحرب على الإرهاب المنقوص من ضم ومحاسبة كل ميليشيات إيران والأسد أصبح عنوان الجميع للحرب في سورية, وهذا ما دفع بمعظم الدول المنخرطة بالشأن السوري لتدلي بدلوها مفسرةً الحرب على الإرهاب وفقاً لأهدافها ومصالحها السياسية وأحياناً الإيديولوجية.

التحالف الدولي الذي أطلق العنان لآلته العسكرية في الحرب على الإرهاب معتمداً على ميليشيات سورية الديموقراطية “قسد” كذراع عسكري في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بعيداً عن كل إرهاب ميليشيات الجنرال الإيراني “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس وما يتبع له من ميليشيات حزب الله والميليشيات الطائفية العراقية من الحشد الشيعي, وروسيا أيضاً دخلت سورية بجواز سفر الحرب على الإرهاب “قتال داعش والقاعدة” وتحالفت مع الأسد وكل داعميه لكنها قاتلت فقط الجيش الحر وحاضنته الشعبية في المناطق المحررة بعد أن وظفت جهود معظم طلعاتها الجوية لقتل الشعب السوري وفصائل الجيش الحر التي تطالب بإسقاط “بشار الأسد”.

إدلب كانت مثار اهتمام الجميع, لذلك وضعت الخطط المختلفة للسيطرة عليها وأيضاً تحت شعار محاربة الإرهاب, ومن أجلها عقدت اجتماعات مطولة بين الفرقاء الإقليميين والدوليين وكان اجتماع رؤساء أركان الجيش التركي والأمريكي والإيراني في آذار 2017 في مدينة “أنطاليا” التركية كباكورة التركيز على “إدلب” ومن أجل التنسيق بين تلك الدول في الخطط العسكرية القادمة, لكن الاجتماع ورغم تقديمه لثلاث سيناريوهات عسكرية, فشل في التنسيق المشترك وانطلق كل فريق ليعمل في غرف عملياته على جذب البساط من تحت أقدام الآخرين.

روسيا أعدت سيناريو التدخل في إدلب جاعلة من ميليشيات إيران وحزب الله والأسد كذراع عسكري تغطيه الطائرات الروسية ويهدف لانتزاع المعقل الأهم المتبقي بيد فصائل الثورة السورية, والشعار فصل جبهة النصرة عن الفصائل المعتدلة كأحد منتجات اجتماع أستانا.

الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً أعد مطبخها العسكري سيناريو يتوافق بالأهداف بالحرب على الإرهاب لكنه يختلف بالتفاصيل من خلال اعتماده ميليشيات البي واي دي كذراع تنفيذي على الأرض تغطيه طائرات التحالف جواً بإعادة لسيناريو الحرب على تنظيم “داعش” في مدينة “الرقة”.

تركيا كأكثر المتضررين إلى جانب سكان المناطق المحررة من تلك السيناريوهات تحسست الخطر الذي يمكن أن ينجم عن تطبيقها فعملت على خلق توازنات وتوافقات لمشروعها العسكري الذي يعتمد فصائل الجيش الحر كرأس حربة وشريك في إبعاد هيئة تحرير الشام عن المدينة وتأمين حدودها الجنوبية التي تتلامس مع مدينة إدلب على طول يصل لحوالي 130كم.

بالتأكيد المصالح المشتركة التي تلاقت فيها أهداف تركيا مع الجيش الحر وحاضنته الشعبية لم تقف عند هذا المطلب في تجنيب إدلب من مصيراً مشابهاً لما حصل في “الموصل” أو “حلب”, بل أن تركيا لديها مخاوف أخرى أكبر تتمثل بمنع موجات هجرة إضافية إذا ما كانت هناك عمليات أرضية أو جوية مدمرة على “إدلب”, ولتركيا هدف هام جداً يتمثل بتقطيع أوصال الخارطة الانفصالية التي تسعى الميليشيات الكوردية لترسيمها على الجغرافية السورية وتتضمن مد الكانتون الكوردي من عفرين للمتوسط عبر الريف الغربي لمحافظتي إدلب واللاذقية, وكما قامت تركيا بتقطيع أوصال هذا المشروع عبر عملية “درع الفرات” التي اقتطعت مساحة تصل لحوالي 3 آلاف كم2 ما بين جرابلس وإعزاز, فهي تسعى اليوم لاستكمال تخريب الخارطة التقسيمية في ريفي إدلب واللاذقية, وأيضاً بهذا المطلب تتلاقى مصالح تركيا والجيش الحر الذي يرفض أي فكرة تقسيمية ويطالب دائماً بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

حساب السوق لم يطابق حسابات الصندوق

دائماً يقال أثناء التدريب على خطط العمليات العسكرية أنه يتم التدريب على مائة حالة محتملة أما القتال فيكون بالحالة رقم 101, أي بمعنى أن مستجدات الأرض دائماً ما تتغير وتقلب الخطط المتوقعة التي يتم إعدادها في غرف العمليات مهما حاولت ملامسة مستجدات المعركة المحتملة.

فالحشودات العسكرية ومن مختلف معدات وأسلحة الجيش التركي التي انطلقت من اربع ولايات تركية جنوبية اصطدمت برفض هيئة تحرير الشام لدخولها والتهديد بحرب شاملة بعد أن تقدمت لتغطي الشريط الحدودي الملاصق لحدود إدلب السورية مع ولاية هاتاي, على الضفة الأخرى رابضت قطعات الجيش التركي على الحد الفاصل مع حدود “إدلب” قرب الجدار العازل الذي بنته تركيا مؤخراً على معظم حدودها مع سورية والمجهز بكاميرات مراقبة حرارية لضبط أي تجاوز او اختراق يهدد امنها القومي وخاصة من قبل تنظيمي “داعش” و”بي كا كا”.

السيناريو العسكري التركي في إدلب والذي حظي بموافقة روسية ضمن إطار تبادل المصالح وحظي بدعم أمريكي أيضاً, لكن “إيران” قبلت به مكرهة  وهي من كانت تمني النفس بعملية عسكرية تسيطر من خلالها على كامل مدينة “إدلب” وتقوي وجود حليفها “الأسد” في السلطة عبر توجيه ضربة ثانية موجعة للثورة السورية بعدما حصل في مدينة “حلب”.

الدخول إلى “إدلب” هو الدخول بعين العاصفة, فطبيعة ريف “إدلب” الجبلي ذو التضاريس الصعبة والمنهكة عسكرياً مع الغطاء الشجري الواسع وهي مدينة المليون شجرة زيتون قد يشكل مستنقعاً  يورط الجيش التركي بحرب استنزاف طويلة الأمد, أيضاً هيئة تحرير الشام التي تخضع لأوامر جبهة النصرة وأبو محمد الجولاني تدرك تماماً أن إبعادها عن “إدلب” والسماح للجيش الحر والجيش التركي بالسيطرة تعني بداية أفول مشروع القاعدة عن الأراضي السورية, لذلك حاولت هيئة تحرير الشام خلط الأوراق وتخريب التوافقات الدولية بعمليات مشبوهة جرت في ريف حماه وعلى عمليتين عسكريتين:

كانت نتيجة العملية الأولى دماراً هائلاً في ريف “إدلب” طال البنية التحتية والمرافق الطبية ومنظومات الإسعاف ومحطات الكهرباء ولم يسلم منها المدنيون عبر مجازر مروعة ارتكبها الطيران الروسي الذي أحرق ريف إدلب واللاذقية بهجمات جوية استخدم فيها أقوى أنواع الصواريخ بما فيها صواريخ “الكاليبر” التي انطلقت من غواصاته في المتوسط وكذلك القنابل الثقيلة التي ألقتها قاذفاته الاستراتيجية من نوع تو95, مما دفع بالمجلس المحلي لمدينة “إدلب” لإعلان معظم ريف المحافظة كمناطق منكوبة إلى جانب بلدة بداما قرب الجبهة الساحلية.

لكن الملفت بالضربات الروسية أنها استهدفت أعداء هيئة تحرير الشام ومناوئيها وخاصة بلدات خان شيخون, كفرنبل, معرة النعمان التي ما فتئت تطالب بخروج “جبهة النصرة” من بلداتها, وكذلك طال القصف مقرات ومستودعات فصائل صقور الشام, أحرار الشام, فيلق الشام وغيرها من فصائل الجيش الحر المعروفة برفضها لوجود جبهة النصرة ودخولها بمواجهات عسكرية سابقة معها, وكأن روسيا ونزولاً عند رغبة إيران أرادت استغلال عملية هيئة تحرير الشام “المشبوهة” للانقضاض على فصائل الثورة والإجهاز عليها وتخريب المسعى التركي في إدلب.

العملية الثانية التي قامت بها هيئة تحرير الشام كانت عبر معركة أخرى أطلقتها في محيط بلدة “أبو دالي” معقل الشبيح أحمد درويش عضو مجلس الشعب الأسدي والمسؤول عن ميليشيا يديرها في تلك المنطقة, العملية أثمرت عن سيطرة مقاتلي النصرة على القرية لكن سرعان ما تقدمت “داعش” وبشكل مشبوه لتعبر بلدة “عقيربات” وتصل الرهجان في ريف حماه الشرقي دون أي صدام مع ميليشيات الأسد وإيران التي اعلنت خلو ريف حماه من تنظيم داعش قبل أقل من اسبوع.

تقدم داعش لحالة تماس مع هيئة تحرير الشام زاد من تعقيد الموقف عسكرياً بعد جهود تركية لتأمين دخول وحداتها العسكرية مع الجيش الحر إلى “إدلب” دون قتال وعبر توافقات وتفاهمات تجنب الأهالي نواتج الاشتباكات في بلداتها الخارجة من اسبوعين من قصف روسي دمر البشر والحجر.

خلط الأوراق

خلط الاوراق في مسرح الأعمال القتالية يتأتى من طرفين:

الأول: أنه بعد التماس بين “النصرة” و”داعش” فقد تندلع اشتباكات بين مقاتلي الجولاني والبغدادي بعد حملة التخوين والتكفير التي يتبادلها الطرفان نتيجة الشقاق الحاصل بينهما على خلفية الولاية والتبعية والمبايعة.

الثاني: النقيض وارد أيضاً باعتبار أن أطراف تنظيم “القاعدة” من جبهة النصرة وتنظيم داعش تتشارك بالعداء للتدخل التركي والجيش الحر مما يسمح بعودة الوئام لصفوف أتباع الظواهري وبالتالي يصبح تقدم داعش في ريف حماه كبوابة لتدفق عناصره الهاربة من البادية السورية أو مدينة الرقة وحتى من دير الزور لملاقاة الجيش التركي والجيش الحر.

تركيا ومعها الجيش الحر وعبر تصريحات علنية عبروا عن رغبتهم بتجنب أي صدام عسكري داخل مدينة إدلب وؤيفها وعدم رغبتهما بالدخول بقتال مع هيئة تحرير الشام وأن مصلحة أكثر من 2.5 مليون مواطن سوري تقتضي تجنيبهم المخططات الروسية والإيرانية المدمرة, تحت تلك الأهداف انطلقت تركيا لتأمين حلول سياسية توافقية عبر اجتماعات على الحدود التركية جرت بين ممثلين عن الجيش التركي وممثلين عن هيئة تحرير الشام أعقبت اجتماعاً عسكرياً عالي المستوى عقده رئيس الأركان التركي إلى جانب قادة القوات الجوية والبرية والاستخبارات مع قادة الوحدات العسكرية التركية المحتشدة على الحدود, الاجتماعات التي تخللها دخول وفد عسكري تركي إلى جبل الشيخ بركات على حدود التماس مع قسد قرب “دارة عزة” وضم الوفد ضباطاً من أجهزة الاستطلاع والعمليات والاستخبارات, رافقته أربع سيارات دفع رباعي للحماية من جانب هيئة تحرير الشام.

الاجتماعات ومحاولات تجنيب إدلب أتون أي اشتباكات تتابعت لاحقاً وهناك أنباء عن الوصول لتفاهمات بين هيئة تحرير الشام والجيش التركي تٌخلي من خلالها هيئة تحرير الشام مدينة “إدلب” وتسلمها للجيش التركي بعد تعهد بعدم دخول المدينة أياً من فصائل الجيش الحر الذي يسمح له بالمقابل بالحشد والمرابطة على حدود التماس مع الأكراد الانفصاليين في محيط مدينة “عفرين” الواقعة تحت سيطرة “قسد”, إضافة لنشر تركيا 14 موقعاً للمراقبة على طول حدود إقليم هاتاي التركي مع محافظة “إدلب”, على أن تنتقل هيئة تحرير الشام للريف الجنوبي الشرقي من محافظة إدلب.

قد لا تكون تلك التوافقات هي نهاية المطاف والمبتغى, لكنها بالتأكيد تعكس بداية طيبة تعطي نوعاً من الطمأنينة والهدوء لسكان المناطق المحررة في إدلب وريفها بعد أشهر وسنوات من حالة حرب وقتل كان الطيران الأسدي ومن بعده الروسي لا يغادر سمائها منزلاً فيه كل ما أنتجته واحتوته مخازنهم من أسلحة دمار وقتل وتخريب.

في العسكرة لا مكان لحسن النوايا … فهل تصدق تلك التوافقات والتعهدات؟؟؟

العميد الركن أحمد رحال

محلل عسكري واستراتيجي   





Tags:

للحصول على الاخبار بشكل سريع يمكنكم الاشتراك بالصفحة الرئيسية للموقع على فيس بوك عبر الرابط:
https://www.facebook.com/all4syria.org